هل تستجيب إسرائيل لأول مسؤول عربي يخاطب شعبها عبر إعلامهم؟

محمود العفيفي

جاء المقال الذي نشره يوسف العتيبة، السفير الإماراتي في واشنطن، في صحيفة يديعوت أحرنوت الإسرائيلية، ليشكل استهجاناً لدى القارئ العربي والإسرائيلي على حدٍّ سواء، وخاصة أن الإعلام الإسرائيلي يكاد يخلو من أي خطاب يوجهه مسؤول رسمي عربي للرأي العام في إسرائيل، حيث حاول العتيبة إيصال رسائل سياسية مباشرة للحكومة الإسرائيلية التي تواصل ضرب القرارات الدولية بعرض الحائط، لاسيما حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة على حدود العام 1967، وعاصمتها القدس الشرقية.

وفي الوقت الذي تمادى فيه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في سياساته التوسعية، ومواصلته الاستيلاء على المزيد من الأراضي الفلسطينية، محاولاً، مؤخراً، الخروج من مآزقه الانتخابية التي أعاقت تشكيل حكومته مرات عدّة في الفترة الأخيرة، وإزاحة النظر عن تهم له بالفساد، وجّه السفير العتيبة مقاله للقراء الإسرائيليين، مركزاً على جملة من القضايا التي تضع إسرائيل أمام زاوية محددة، مفادها أنكم تسعون لإقامة “علاقات طبيعية” مع العرب، لكنكم وعبر مخططاتكم في فرض “سيادة” على أي جزء من الأراضي الفلسطينية، تنسفون كل ما يتم التشدق فيه بخصوص دعواتكم للسلام.

النقطة الأساسية في مقال العتيبة، وهو ممثل رسمي لدولة الإمارات في الولايات المتحدة، التي لم يتوان رئيسها دونالد ترامب عن تنفيذ الرغبات الإسرائيلية وكأنها رغباته، كانت بقوله إن الزعماء الإسرائيليين “أدلوا في الآونة الأخيرة بتصريحات مثيرة عن تطبيع العلاقات مع دولة الإمارات ودول عربية أخرى، لكن خطط الضم الإسرائيلية تتناقض مع الحديث عن التطبيع، وتعد عملاً أحادياً واستيلاء غير قانوني على الأراضي الفلسطينية، فضلاً عن كونها تحدياً للإجماع العربي والدولي حول حق الفلسطينيين في تقرير المصير”.

يبدو من هذه العبارات أن دولة الإمارات تسعى لأن تكون شريكة في رسم المشهد العربي، الذي يحتاج الآن وأكثر من أي وقت مضى، إلى أن يكون العرب فيه شركاء في تخطيط مصيرهم، لإدراكها أن الشعب الفلسطيني ليس بحاجة الآن إلا إلى وقوف العرب معهم عملياً لا مجرد تنظير. كما تدلّ رسالة العتيبة إلى إسرائيل على أن سياسات نتنياهو لن يتم تمريرها عربياً، باعتبار خطط ضم إسرائيل لأراضٍ فلسطينية ستنسف أي طموح بحل القضية الفلسطينية على نحو عادل يرضي جميع الأطراف.

وفي قول العتيبة إن “خطة الضم ستؤجج العنف وتثير المتطرفين، وتولد موجات من العنف ستؤثر على المنطقة كلها، وخاصة في الأردن التي يعدّ استقرارها أمراً مفيداً للمنطقة بأسرها ولا سيما إسرائيل” إشارة واضحة إلى تأييد دولة الإمارات للموقف الأردني الرافض لخطط نتنياهو التوسعية التي يتم من خلالها تنحية ما تم العمل عليه خلال عشرين عاماً من جهود التوصل إلى السلام جانباً، والبدء من جديد، ومن جانب أحادي، في رسم خارطة جديدة تنتهك القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة وقرارات الشرعية الدولية، وتقوض الفرص أمام إحراز أي تقدم في عملية السلام.

إن ما تحدث به نتنياهو يوم الاثنين الماضي، خلال اجتماعه مع كتلة “الليكود” عن “تطبيق السيادة” على المستوطنات في الضفة الغربية، وامتناعه عن إطلاق مصطلح “الضم” على خطته، وتصريحه أن ضم أجزاء من الضفة الغربية، والتي تتوقف على نتائج المناقشات داخل الحكومة، قد يجري على مراحل، تنبئ بضرورة إدراك حكومته والكنيست أن هذه الخطة لن تكون في صالح إسرائيل، انطلاقاً من أن أمنها وأمن شعبها لن يتحقق بخطط نتنياهو التوسعية على حساب الشعب الفلسطيني. كما بات على الحكومة الإسرائيلية، إن كانت تفكر بمنطق من العقلانية، الإدراك بأن ترامب لن يبقى رئيساً للأبد، إنما الأبد هي فلسطين التي تجمعها بإسرائيل أرض وسماء واحدة، فالأصل أن يتم التفكير بمستقبل الشعبين، وأن تتحقق المصالح المشتركة التي تخص استقرارهما ومصيرهما القائم على تسريع وتيرة النمو، وتحفيز العمل على الطموحات المشتركة في جملة من القضايا المشتركة، فالأوْلى الآن، وكما قال العتيبة أن تعلم إسرائيل أن “الضم المتوقع سيؤدي إلى تشديد مواقف العرب تجاه إسرائيل”، وأن “استمرار الحديث عن التطبيع في هذه الحالة لن يكون سوى أملاً خاطئاً في تحسين العلاقات مع الدول العربية”.